أبو حامد الغزالي

30

تهافت الفلاسفة

« أين من يدعى أن براهين الإلهيات قاطعة كبراهين الهندسيات ؟ » * * * ( ج ) كذلك تشابه الغزالي مع أرباب الوضعية الحديثة في جانبين من جوانبهم وإن يكن خالفهم في الثالث : أما الجانب الأول من جوانب التشابه فهو الوثوق بالعلوم الصورية من منطقية ورياضية ، واعتبارها يقينية . والجانب الثاني من جوانب التشابه هو اعتبار المعرفة التجريبية ترجيحية لا تبلغ مرتبة اليقين . فقد سبق الغزالي التجريبين إلى تقرير أن التجربة لا توصل إلى يقين ، فقرر أن لا ترابط إطلاقا بين ما يسمى سببا وما يسمى مسببا ، واستطاع لأول مرة في التاريخ - فيما يبدو لي - أن يعلل دعواه تعليلا مقبولا ، حيث قال : « الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببا وبين ما يعتقد مسببا ، ليس ضروريا عندنا ! بل كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا ولا إثبات أحدهما متضمنا لإثبات الآخر ، ولا نفيه متضمنا لنفى الآخر ، فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر ، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر ! مثل الري والشرب ، والشبع والأكل ، والاحتراق ولقاء النار ، والنور وطلوع الشمس ، والموت وجز الرقبة ، والشفاء وشرب الدواء ، وإسهال البطن واستعمال المسهل ، وهلم جرا ، إلى كل المشاهدات المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف . فإن اقترانها لما سبق من تقدير اللّه سبحانه ، بخلقها على التساوق لا لكونه ضروريا في نفسه ، غبر قابل للفوت ، بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل ، وخلق الموت دون جز الرقبة ، وأدامة الحياة مع جز الرقبة ، وهلم جرا ، إلى جميع المقترنات . وأنكر الفلاسفة إمكانه وادعوا استحالته . والنظر في هذه الأمور الخارجة عن الحصر يطول ، فلنعين مثالا واحدا ، وهو الاحتراق في القطن مثلا عند ملاقاة النار ، فإنا نجوز وقوع الملاقاة بينهما